السيد محمد الصدر

490

تاريخ الغيبة الصغرى

ويدلنا على ذلك قول المؤمن - في نفس الرواية - : « يا أيها الناس ، انه لا يفعل بعدي بأحد من الناس . يبشرهم بأنه لن يقتل أحدا بعده . ومعنى ذلك أن قتله للناس معروف فيهم مشهور بينهم ، والتذمر من ظلمه عام في المجتمع . حاله في ذلك حال سعيد بن جبير الذي دعا حين أراد الحجاج قتله قائلا : اللهم لا تسلطه على أحد بعدي » . في قضيته المشهورة . ومعه فلا حاجة إلى قيام المعجزة لكشفه . هذا بحسب ظاهر العبارة . وأما حمل هذه الأحاديث على الرمز ، فهو في غاية الاشكال . الأمر الخامس : ضخامة الحمار الذي يركبه الدجال : وذلك : فيما رواه الصدوق في اكمال الدين « 1 » عن رسول اللّه ( ص ) يقول فيه : « انه يخرج على حمار ما بين أذنيه ميل ، يخرج ومعه جنة ونار ، وجبل من خبز ونهر من ماء . . . » الخ . الحديث . ومن المعلوم أن ما بين أذني الحمار الاعتيادي لا يعدو عرض الأصبعين أو الثلاثة أصابع . فإذا كان هذا المكان منه بمقدار ميل ، فكيف بضخامة أجزاء جسده الأخرى . وهذا - بلا شك - من فوارق الطبيعة المنسوبة إلى أحد المبطلين ، وقد برهنا على عدم امكان الأخذ به أو التصديق به ، بحسب القواعد الاسلامية العامة . نعم ، يمكن حمله على الرمز ، على ما سيأتي في الجهة الآتية : عطفا على عدد من الأمور التي أخرجها الصدوق من صفات الدجال ، مما يمكن حمله على الرمز ، ويندرج في الفهم المتكامل العام ، على ما سنوضح إن شاء اللّه تعالى . وأما أن معه جبلا من خبز ونهرا من ماء ، فهو معارض ، بما أخرجه الصحيحان « 2 » عن المغيرة بن شعبة أنه قال : - واللفظ للبخاري - : « ما سأل أحد النبي ( ص ) عن الدجال ما سألته : وأنه قال لي : ما يضرك منه ؟ قلت : لأنهم يقولون أن معه جبل خبز ونهر ماء . قال : هو أهون على اللّه من ذلك » .

--> ( 1 ) أنظر النسخة المخطوطة . ( 2 ) البخاري ، ج 9 ص 74 ، ومسلم ، ج 8 ، ص 200 .